رياض سيف .. الثري الذي أفلسته السياسة

قلة من يعرفون أن شركات رجال الأعمال السوري المعروف، رياض سيف، كانت في أغلبها خاسرة، أو أنه لم يعرف طعم الربح منذ العام 1984 وحتى إلقاء القبض عليه وسجنه في العام 2001.. أقله أنه هو من اعترف بهذا الأمر أكثر من مرة، سواء في لقاءاته الصحفية أو في كتابه المعروف “رياض سيف.. هموم في الصناعة والسياسية”، لكنه عزا الأمر للمضايقات المالية التي تعرض لها من قبل نظام حافظ الأسد وحكومة محمود الزعبي آنذاك، والتي انتهت بإعلانه الإفلاس في نهاية العام 1999، وهي القضية التي استثمرها النظام فيما بعد لزجه في السجن لمدة خمس سنوات، إذ أن الكثيرين يعتقدون أن رياض سيف تلقى هذا الحكم لأسباب سياسية، وإنما الحقيقة أن القضية التي تم سجنه لأجلها هي التهرب الضريبي وهو أمر لا ينكره سيف ولكن يعتبر أن دوافعه كانت سياسية بالدرجة الأولى.

مما لا شك فيه، أن رياض سيف لو أنه هادن السلطة في ذلك الوقت، لما تم فتح ملفاته الضريبية، ولما تعرض للخسارة من الأساس، لكنه يروي أنه “في ذلك اليوم من عام 1994، لم تكن السياسة والعمل فيها جزءاً من طموحي الحياتي”، إلى أن طلب منه بعض الأصدقاء الترشح لمجلس الشعب، بحسب ما يروي، وكانت المفاجأة بحصوله على أعلى الأصوات في مدينة دمشق.

في ذلك العام كان رياض سيف لايزال يعاني من سياسات النظام الاقتصادية وخلافه مع الاتحاد السوفييتي السابق، والذي كلفه خسارة كل أعماله وأصبح مديوناً بمبالغ كبيرة للشركات والبنوك، وكان من المتوقع أن يسددها بالكامل في العام 1995.

غير أنه، وبحسب ما يروي سيف، فإن مداخلاته الأولية في مجلس الشعب، نبهت النظام إلى أن هناك صوتاً نشازاً يريد أن يشوش على ما تم الاعتياد عليه في جلسات المجلس، فانتقل في التضييق عليه إلى الاقتصاد وبالذات عبر شركة أديداس حيث تم استصدار قرار بمنع استيراد أحذية أديداس، فكانت أن ردت الشركة الأم على هذا القرار بعدم استيراد الألبسة من شركة رياض سيف وهو ما تسبب بخسارته لملايين الدولارات.

إذاً، تاريخ رياض سيف الاقتصادي وكما يرويه هو بنفسه، مليء بالنجاحات الإنتاجية، لكنه غني بالخسائر المادية والإفلاسات، وهو ما جعله يتنبه إلى أن أسباب خسائره، يتحملها بالدرجة الأولى طبيعة النظام السياسي في البلد والذي أفرز سياسات اقتصادية متخلفة تنظر إلى رجال الأعمال على أنهم عملاء للاستعمار والإمبريالية وينفذون مخططاتها.

المرحلة الأبرز في حياة رياض سيف، هي نشاطه السياسي، والذي تميز بالجرأة في عهد حافظ أسد، واستطاع أن يؤسس عدداً من منتديات المجتمع المدني ويجمع حوله عدداً كبيراً من الناشطين والمثقفين في بيته في صحنايا، وأن يتحدى السلطة غير عابئ بالسمعة الإجرامية التي كان يتمتع بها حافظ أسد في تلك الفترة.. ولعل سيف نفسه يذكر أن مجلس الشعب منحه حصانة حقيقية من الاعتقال، فاكتفى النظام بالتضييق عليه اقتصادياً فقط.

وعندما ورث بشار السلطة عن والده، كان رياض سيف من المرحبين بشدة بهذا التوريث وأعلن حينها، أن بشار يحمل خطابا إصلاحياً وعلى كل المستويات، وأن ذلك لا بد أن يخدم مشروعه الإصلاحي الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، بل ذهب أبعد من ذلك، إذ توقع أن يتلقى دعماً مباشراً وقوياً من بشار، صاحب نظرية الكؤوس الملآنة والفارغة، في ذلك الوقت.. إلا أن الصدمة أو الصفعة الكبيرة التي تلقاها سيف من بشار كانت تفوق التوقع، فلم ينفعه حصانة مجلس الشعب ولا سواه، وكان ذلك في أعقاب اعتراضه على مشروع الخليوي الذي قرر بشار منحه لابن خاله رامي مخلوف بمبلغ زهيد، فكان أن تقدم سيف بدراسة مالية تثبت أن المشروع يدر على خزينة الدولة مليارات الدولارات وطلب من الحكومة إسقاط منح رامي مخلوف رخصة الخليوي في سوريا، فاضحاً السياسات الاقتصادية الجديدة لبشار.. إلى هنا شعر النظام أن رياض سيف تحاوز حدوده كثيراً، فتم الإيعاز لوزارة المالية بفتح الملفات المالية له، والتي تبين من خلالها أن سيف متهرب ضريبياً بملايين الدولارات، وبناء عليه تم الطلب من مجلس الشعب برفع الحصانة عنه ومن ثم مقاضاته والحكم عليه بالسحن لخمس سنوات مع الحجز على كل أملاكه المنقولة وغير المنقولة بما فيها أرصدة شركاته في البنوك.

في العام 2006 خرج رياض سيف من السجن وهو أشد شراسة من السابق في فضح سياسات النظام الاقتصادية والسياسية، وكان ذلك نتيجة لفقدانه كل شيء، فلم يعد لديه ما يخسره، وتوسع في نشاطه السياسي وأخذ يدعو علناً لإصلاح النظام، الأمر الذي أدى لزجه في السجن مرة أخرى في العام 2008 ولمدة عامين ونصف بتهمة العمل على تغيير الدستور ووهن نفسية الأمة.

عندما انطلقت الثورة السورية في العام 2011، كان رياض سيف أول الصارخين في مظاهراتها والمنددين بقمع النظام، لذلك تم سحبه للسجن مرة أخرى ولكن لعدة أيام وأفرج عنه لأسباب صحية.

فؤاد عبد العزيز – اقتصاد

2017-05-07