النائب السوري المعتقل رياض سيف يُكرّم في ألمانيا

للتذكير بضحايا الديكتاتورية ولتحمّل المسؤولية التاريخية تمنح مدينة فايمار جائزة لحقوق الإنسان ووقع الاختيار هذه السنة على أحد رموز “ربيع دمشق”. أحمد حسو يعرّف به 

قنطرة 09. 12. 2003 

لم يكن يدور بخلد الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد أنّ ظاهرة المستقلين في مجلس الشعب السوري ستأخذ هذا المسار حين أراد أن يرد الجميل لتجار دمشق، الذين وقفوا معه في محنته مع حركة الإخوان المسلمين في نهاية السبعينات ومطلع الثمانينات، فقدم لهم قطعة صغيرة من كعكة السلطة وهي عدة مقاعد في مجلس الشعب الذي يهيمن عليه حزبه.

الرئيس السوري لم يكن يعلم أنّ شخصاً من بين هؤلاء المستقلين سيقض مضجعه ومضجع خليفته من بعده. فالصناعي والنائب الدمشقي المعتقل رياض سيف لم يكن معروفاً على نطاق واسع في ذلك الوقت ودخل بوابة السياسة من خلال هذا الثقب الصغير الذي أحدثه الرئيس السوري نفسه في جدار نظامه الحصين.

ربيع دمشق

سيف صاحب التجربة الصناعية الفريدة في صناعة النسيج في سوريا ووكيل شركة “اديداس” تحول بسرعة شديدة إلى رمز بارز في عالميَ الصناعة والسياسة في المجتمع السوري. وقد أخذت هذه المؤسسة الصورية (مجلس الشعب) منحى جديداً بدخوله إليها، فلم تمضِ مناسبة إلا وقدم فيها مداخلات نقدية حول الأداء الحكومي وخصوصاً في المجال الاقتصادي.

فهذا الصناعي امتنع، في بداية حياته النيابية، عن التطرق إلى القضايا السياسية، وقصر نشاطه على الجانب الاقتصادي. لكن الحال تغير مع الأيام الأخيرة لعهد الرئيس حافظ الأسد وبروز نجم نجله الرئيس الحالي بشار الأسد عبر ما عرف بظاهرة محاربة الفساد. فقد وجد سيف ضالته المنشودة في هذا الشعار فهو كان أول من رفعه ودافع عنه في مجلس الشعب وقدم مداخلات مكتوبة حول الهدر وضياع المال العام والفساد.

وسع النائب المستقل دائرة نشاطه لتشمل المثقفين أيضاً الذين أطلوا برؤوسهم بعد وفاة الرئيس السوري وتولي نجله مقاليد الأمور في البلاد. فكان أول من بادر إلى تأسيس المنتديات الثقافية (منتدى الحوار الوطني) التي مهدت لما عرف فيما بعد بـ”ربيع دمشق”. ويمكن القول إنّ هذا الصناعي هو الأب الروحي لهذا الربيع؛ إذ تحول منزله في مدينة دمشق إلى قبلة لكل عشاق الحرية والديمقراطية يجتمعون فيه ليناقشوا تاريخ بلدهم ودور المثقفين في التغيير الاجتماعي والسياسي وتفعيل المجتمع المدني وقضايا حقوق الإنسان.

وإذا كان المثقفون السوريون قد شعروا في البداية بنفور من هذا الصناعي القادم من عالم النسيج إلا انهم وجدوا أنفسهم، بشكل أو بآخر يعملون تحت جناحه. فمن منزله انطلقت المنتديات ومنه انطلقت أيضاً فكرة تأسيس “لجان إحياء المجتمع المدني”.

وقد لخص سيف، في مداخلة هامة له في مجلس الشعب تعليقاً على البيان الوزاري للحكومة السورية السابقة، التي قدمت على أنها حكومة إصلاح ومحاربة الفساد، الحياة السياسية في سورية ووضع إصبعه على الجرح بالقول: “إنها من أسعد الحكومات في العالم، إذ لا أحزاب معارضة تؤرقها، ولا إضرابات عمالية تحرجها، ولا سلطة قضائية تحكم ضدها، ولا سلطة تشريعية تراقبها، ولا صحافة فضولية تكشف أخطاءها. وإنّ هذا المناخ الذي يتوفر للحكومة هو مناخ لا بد أن يسبب الاسترخاء والكسل واللامبالاة كما يشكل بالضرورة أرضاً خصبة لنمو الفساد”.

مخططات طموحة

لم يكتف سيف بهذه الجرأة في طرح تصوراته بل أعلن عن نيته في تأسيس حزب جديد (حزب السلم الاجتماعي)، فلم تعد المنتديات تفي بالغرض، إذ لا بد من وجود حزب سياسي معارض ذي قاعدة عريضة يعيد الحياة السياسية إلى الدولة والمجتمع. هنا دقت السلطة السورية بكل مؤسساتها طبول الحرب ضد ظاهرة سيف وشحذت كل أسلحتها لوقفها والقضاء عليها.

وفي السادس من شهر أيلول/ سبتمبر 2001 اعتقلت أجهزة الأمن السورية النائب المستقل رياض سيف (55عاماً) بعد أن جُرد من حصانته البرلمانية بقرار من رئيس المجلس عبد القادر قدورة دون الرجوع إلى المجلس الذي كان في إجازة. وباعتقاله دخلت ظاهرة سيف طوراً جديداً، خصوصاً وأنها ترافقت مع هجمة أمنية شرسة على كل نشطاء المجتمع المدني أدت إلى اعتقال ما عرف فيما بعد في أدبيات المثقفين السوريين “بالعشرة الأفاضل” وهم بالإضافة إلى سيف، النائب المستقل محمد مأمون الحمصي والأكاديمي البارز عارف دليلة والمعارض المخضرم رياض الترك (أطلق سرحه فيما بعد) وغيرهم.

وفي الرابع من نيسان/ أبريل 2002 أصدرت محكمة الجنايات الثانية في دمشق حكماً بالسجن مع النفاذ خمسة أعوام على النائب المستقل “بجناية الاعتداء الذي يستهدف تغيير الدستور بطرق غير شرعية”، وذلك في إشارة إلى برنامج الحزب الذي كان سيف قد أعلنه في كتيب بعنوان”مبادئ أولية للحوار” حيث دعا إلى تغيير بعض مبادئ الدستور السوري وخصوصاً المادة الثامنة التي تقول: “إنّ حزب البعث هو حزب قائد للدولة والمجتمع”.

سيف الذي حول محاكمته إلى منبر للدفاع عن آرائه السياسية اعتبر حكم المحكمة وساماً على صدره إلا أنه فند هذا الحكم قائلاً بأنه “سجين عقود الخليوي وليس سجين الاعتداء على الدستور”. فقد كان النائب المعتقل قد أصدر قبيل اعتقاله بشهر كتيباً من (96) صفحة (من القطع الصغير) بعنوان “صفقة عقود الخليوي” بين فيه أنّ هذا العقد يضيع على الدولة السورية 400 مليار ليرة سورية (حوالي ثمانية مليارات دولار امريكي)، وأنّ الشركتين المتعاقدتين اللتين تعود ملكيتهما لشخص واحد (أحد أقارب الرئيس السوري) تحققان أرباحاً احتكارية وغير عادلة تصل إلى 300 مليار ليرة سورية، وهو ما يعادل “كتلة الرواتب والأجور والتعويضات لجميع العاملين في وزارات العدل والتعليم العالي والتربية والصحة والشؤون الاجتماعية والعمل، الذين يعيلون ما يقارب مليون مواطن سوري، على مدى خمسة عشر عاماً”.

وبالانقضاض على “العشرة الأفاضل” ومنهم سيف تلقت حركة المجتمع المدني السورية ضربة قوية وتراجع ربيع دمشق إلى الحد الذي أعلن الكثيرون فيه موته. واليوم، وحين تمنح مدينة “فايمار” الألمانية جائزتها السنوية لحقوق الإنسان، إلى رياض سيف تكون قد أعادت الاعتبار إلى ربيع دمشق عبر الاحتفاء بأبرز رموزه. فهذه الجائزة الرمزية، التي تأسست عام 1995 ومنحت إلى شخصيات عالمية بارزة ناضلت في مجال حقوق الإنسان، تذكر بهذه الشخصية الصناعية البارزة، التي رفعت لواء حقوق الإنسان والديمقراطية في بلد تحكمه قوانين الطوارئ منذ أربعة عقود.

بقلم أحمد حسو

للتذكير بضحايا الديكتاتورية ولتحمّل المسؤولية التاريخية تمنح مدينة فايمار جائزة لحقوق الإنسان ووقع الاختيار هذه السنة على أحد رموز “ربيع دمشق”. أحمد حسو يعرّف به 

قنطرة 09. 12. 2003

https://ar.qantara.de/content/jyz-lnyb-lswry-lmtql-ryd-syf-yukrwm-fy-lmny

لم يكن يدور بخلد الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد أنّ ظاهرة المستقلين في مجلس الشعب السوري ستأخذ هذا المسار حين أراد أن يرد الجميل لتجار دمشق، الذين وقفوا معه في محنته مع حركة الإخوان المسلمين في نهاية السبعينات ومطلع الثمانينات، فقدم لهم قطعة صغيرة من كعكة السلطة وهي عدة مقاعد في مجلس الشعب الذي يهيمن عليه حزبه.

الرئيس السوري لم يكن يعلم أنّ شخصاً من بين هؤلاء المستقلين سيقض مضجعه ومضجع خليفته من بعده. فالصناعي والنائب الدمشقي المعتقل رياض سيف لم يكن معروفاً على نطاق واسع في ذلك الوقت ودخل بوابة السياسة من خلال هذا الثقب الصغير الذي أحدثه الرئيس السوري نفسه في جدار نظامه الحصين.

ربيع دمشق

سيف صاحب التجربة الصناعية الفريدة في صناعة النسيج في سوريا ووكيل شركة “اديداس” تحول بسرعة شديدة إلى رمز بارز في عالميَ الصناعة والسياسة في المجتمع السوري. وقد أخذت هذه المؤسسة الصورية (مجلس الشعب) منحى جديداً بدخوله إليها، فلم تمضِ مناسبة إلا وقدم فيها مداخلات نقدية حول الأداء الحكومي وخصوصاً في المجال الاقتصادي.

فهذا الصناعي امتنع، في بداية حياته النيابية، عن التطرق إلى القضايا السياسية، وقصر نشاطه على الجانب الاقتصادي. لكن الحال تغير مع الأيام الأخيرة لعهد الرئيس حافظ الأسد وبروز نجم نجله الرئيس الحالي بشار الأسد عبر ما عرف بظاهرة محاربة الفساد. فقد وجد سيف ضالته المنشودة في هذا الشعار فهو كان أول من رفعه ودافع عنه في مجلس الشعب وقدم مداخلات مكتوبة حول الهدر وضياع المال العام والفساد.

وسع النائب المستقل دائرة نشاطه لتشمل المثقفين أيضاً الذين أطلوا برؤوسهم بعد وفاة الرئيس السوري وتولي نجله مقاليد الأمور في البلاد. فكان أول من بادر إلى تأسيس المنتديات الثقافية (منتدى الحوار الوطني) التي مهدت لما عرف فيما بعد بـ”ربيع دمشق”. ويمكن القول إنّ هذا الصناعي هو الأب الروحي لهذا الربيع؛ إذ تحول منزله في مدينة دمشق إلى قبلة لكل عشاق الحرية والديمقراطية يجتمعون فيه ليناقشوا تاريخ بلدهم ودور المثقفين في التغيير الاجتماعي والسياسي وتفعيل المجتمع المدني وقضايا حقوق الإنسان.

وإذا كان المثقفون السوريون قد شعروا في البداية بنفور من هذا الصناعي القادم من عالم النسيج إلا انهم وجدوا أنفسهم، بشكل أو بآخر يعملون تحت جناحه. فمن منزله انطلقت المنتديات ومنه انطلقت أيضاً فكرة تأسيس “لجان إحياء المجتمع المدني”.

وقد لخص سيف، في مداخلة هامة له في مجلس الشعب تعليقاً على البيان الوزاري للحكومة السورية السابقة، التي قدمت على أنها حكومة إصلاح ومحاربة الفساد، الحياة السياسية في سورية ووضع إصبعه على الجرح بالقول: “إنها من أسعد الحكومات في العالم، إذ لا أحزاب معارضة تؤرقها، ولا إضرابات عمالية تحرجها، ولا سلطة قضائية تحكم ضدها، ولا سلطة تشريعية تراقبها، ولا صحافة فضولية تكشف أخطاءها. وإنّ هذا المناخ الذي يتوفر للحكومة هو مناخ لا بد أن يسبب الاسترخاء والكسل واللامبالاة كما يشكل بالضرورة أرضاً خصبة لنمو الفساد”.

مخططات طموحة

لم يكتف سيف بهذه الجرأة في طرح تصوراته بل أعلن عن نيته في تأسيس حزب جديد (حزب السلم الاجتماعي)، فلم تعد المنتديات تفي بالغرض، إذ لا بد من وجود حزب سياسي معارض ذي قاعدة عريضة يعيد الحياة السياسية إلى الدولة والمجتمع. هنا دقت السلطة السورية بكل مؤسساتها طبول الحرب ضد ظاهرة سيف وشحذت كل أسلحتها لوقفها والقضاء عليها.

وفي السادس من شهر أيلول/ سبتمبر 2001 اعتقلت أجهزة الأمن السورية النائب المستقل رياض سيف (55عاماً) بعد أن جُرد من حصانته البرلمانية بقرار من رئيس المجلس عبد القادر قدورة دون الرجوع إلى المجلس الذي كان في إجازة. وباعتقاله دخلت ظاهرة سيف طوراً جديداً، خصوصاً وأنها ترافقت مع هجمة أمنية شرسة على كل نشطاء المجتمع المدني أدت إلى اعتقال ما عرف فيما بعد في أدبيات المثقفين السوريين “بالعشرة الأفاضل” وهم بالإضافة إلى سيف، النائب المستقل محمد مأمون الحمصي والأكاديمي البارز عارف دليلة والمعارض المخضرم رياض الترك (أطلق سرحه فيما بعد) وغيرهم.

وفي الرابع من نيسان/ أبريل 2002 أصدرت محكمة الجنايات الثانية في دمشق حكماً بالسجن مع النفاذ خمسة أعوام على النائب المستقل “بجناية الاعتداء الذي يستهدف تغيير الدستور بطرق غير شرعية”، وذلك في إشارة إلى برنامج الحزب الذي كان سيف قد أعلنه في كتيب بعنوان”مبادئ أولية للحوار” حيث دعا إلى تغيير بعض مبادئ الدستور السوري وخصوصاً المادة الثامنة التي تقول: “إنّ حزب البعث هو حزب قائد للدولة والمجتمع”.

سيف الذي حول محاكمته إلى منبر للدفاع عن آرائه السياسية اعتبر حكم المحكمة وساماً على صدره إلا أنه فند هذا الحكم قائلاً بأنه “سجين عقود الخليوي وليس سجين الاعتداء على الدستور”. فقد كان النائب المعتقل قد أصدر قبيل اعتقاله بشهر كتيباً من (96) صفحة (من القطع الصغير) بعنوان “صفقة عقود الخليوي” بين فيه أنّ هذا العقد يضيع على الدولة السورية 400 مليار ليرة سورية (حوالي ثمانية مليارات دولار امريكي)، وأنّ الشركتين المتعاقدتين اللتين تعود ملكيتهما لشخص واحد (أحد أقارب الرئيس السوري) تحققان أرباحاً احتكارية وغير عادلة تصل إلى 300 مليار ليرة سورية، وهو ما يعادل “كتلة الرواتب والأجور والتعويضات لجميع العاملين في وزارات العدل والتعليم العالي والتربية والصحة والشؤون الاجتماعية والعمل، الذين يعيلون ما يقارب مليون مواطن سوري، على مدى خمسة عشر عاماً”.

وبالانقضاض على “العشرة الأفاضل” ومنهم سيف تلقت حركة المجتمع المدني السورية ضربة قوية وتراجع ربيع دمشق إلى الحد الذي أعلن الكثيرون فيه موته. واليوم، وحين تمنح مدينة “فايمار” الألمانية جائزتها السنوية لحقوق الإنسان، إلى رياض سيف تكون قد أعادت الاعتبار إلى ربيع دمشق عبر الاحتفاء بأبرز رموزه. فهذه الجائزة الرمزية، التي تأسست عام 1995 ومنحت إلى شخصيات عالمية بارزة ناضلت في مجال حقوق الإنسان، تذكر بهذه الشخصية الصناعية البارزة، التي رفعت لواء حقوق الإنسان والديمقراطية في بلد تحكمه قوانين الطوارئ منذ أربعة عقود.

بقلم أحمد حسو

للتذكير بضحايا الديكتاتورية ولتحمّل المسؤولية التاريخية تمنح مدينة فايمار جائزة لحقوق الإنسان ووقع الاختيار هذه السنة على أحد رموز “ربيع دمشق”. أحمد حسو يعرّف به 

قنطرة 09. 12. 2003

https://ar.qantara.de/content/jyz-lnyb-lswry-lmtql-ryd-syf-yukrwm-fy-lmny

لم يكن يدور بخلد الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد أنّ ظاهرة المستقلين في مجلس الشعب السوري ستأخذ هذا المسار حين أراد أن يرد الجميل لتجار دمشق، الذين وقفوا معه في محنته مع حركة الإخوان المسلمين في نهاية السبعينات ومطلع الثمانينات، فقدم لهم قطعة صغيرة من كعكة السلطة وهي عدة مقاعد في مجلس الشعب الذي يهيمن عليه حزبه.

الرئيس السوري لم يكن يعلم أنّ شخصاً من بين هؤلاء المستقلين سيقض مضجعه ومضجع خليفته من بعده. فالصناعي والنائب الدمشقي المعتقل رياض سيف لم يكن معروفاً على نطاق واسع في ذلك الوقت ودخل بوابة السياسة من خلال هذا الثقب الصغير الذي أحدثه الرئيس السوري نفسه في جدار نظامه الحصين.

ربيع دمشق

سيف صاحب التجربة الصناعية الفريدة في صناعة النسيج في سوريا ووكيل شركة “اديداس” تحول بسرعة شديدة إلى رمز بارز في عالميَ الصناعة والسياسة في المجتمع السوري. وقد أخذت هذه المؤسسة الصورية (مجلس الشعب) منحى جديداً بدخوله إليها، فلم تمضِ مناسبة إلا وقدم فيها مداخلات نقدية حول الأداء الحكومي وخصوصاً في المجال الاقتصادي.

فهذا الصناعي امتنع، في بداية حياته النيابية، عن التطرق إلى القضايا السياسية، وقصر نشاطه على الجانب الاقتصادي. لكن الحال تغير مع الأيام الأخيرة لعهد الرئيس حافظ الأسد وبروز نجم نجله الرئيس الحالي بشار الأسد عبر ما عرف بظاهرة محاربة الفساد. فقد وجد سيف ضالته المنشودة في هذا الشعار فهو كان أول من رفعه ودافع عنه في مجلس الشعب وقدم مداخلات مكتوبة حول الهدر وضياع المال العام والفساد.

وسع النائب المستقل دائرة نشاطه لتشمل المثقفين أيضاً الذين أطلوا برؤوسهم بعد وفاة الرئيس السوري وتولي نجله مقاليد الأمور في البلاد. فكان أول من بادر إلى تأسيس المنتديات الثقافية (منتدى الحوار الوطني) التي مهدت لما عرف فيما بعد بـ”ربيع دمشق”. ويمكن القول إنّ هذا الصناعي هو الأب الروحي لهذا الربيع؛ إذ تحول منزله في مدينة دمشق إلى قبلة لكل عشاق الحرية والديمقراطية يجتمعون فيه ليناقشوا تاريخ بلدهم ودور المثقفين في التغيير الاجتماعي والسياسي وتفعيل المجتمع المدني وقضايا حقوق الإنسان.

وإذا كان المثقفون السوريون قد شعروا في البداية بنفور من هذا الصناعي القادم من عالم النسيج إلا انهم وجدوا أنفسهم، بشكل أو بآخر يعملون تحت جناحه. فمن منزله انطلقت المنتديات ومنه انطلقت أيضاً فكرة تأسيس “لجان إحياء المجتمع المدني”.

وقد لخص سيف، في مداخلة هامة له في مجلس الشعب تعليقاً على البيان الوزاري للحكومة السورية السابقة، التي قدمت على أنها حكومة إصلاح ومحاربة الفساد، الحياة السياسية في سورية ووضع إصبعه على الجرح بالقول: “إنها من أسعد الحكومات في العالم، إذ لا أحزاب معارضة تؤرقها، ولا إضرابات عمالية تحرجها، ولا سلطة قضائية تحكم ضدها، ولا سلطة تشريعية تراقبها، ولا صحافة فضولية تكشف أخطاءها. وإنّ هذا المناخ الذي يتوفر للحكومة هو مناخ لا بد أن يسبب الاسترخاء والكسل واللامبالاة كما يشكل بالضرورة أرضاً خصبة لنمو الفساد”.

مخططات طموحة

لم يكتف سيف بهذه الجرأة في طرح تصوراته بل أعلن عن نيته في تأسيس حزب جديد (حزب السلم الاجتماعي)، فلم تعد المنتديات تفي بالغرض، إذ لا بد من وجود حزب سياسي معارض ذي قاعدة عريضة يعيد الحياة السياسية إلى الدولة والمجتمع. هنا دقت السلطة السورية بكل مؤسساتها طبول الحرب ضد ظاهرة سيف وشحذت كل أسلحتها لوقفها والقضاء عليها.

وفي السادس من شهر أيلول/ سبتمبر 2001 اعتقلت أجهزة الأمن السورية النائب المستقل رياض سيف (55عاماً) بعد أن جُرد من حصانته البرلمانية بقرار من رئيس المجلس عبد القادر قدورة دون الرجوع إلى المجلس الذي كان في إجازة. وباعتقاله دخلت ظاهرة سيف طوراً جديداً، خصوصاً وأنها ترافقت مع هجمة أمنية شرسة على كل نشطاء المجتمع المدني أدت إلى اعتقال ما عرف فيما بعد في أدبيات المثقفين السوريين “بالعشرة الأفاضل” وهم بالإضافة إلى سيف، النائب المستقل محمد مأمون الحمصي والأكاديمي البارز عارف دليلة والمعارض المخضرم رياض الترك (أطلق سرحه فيما بعد) وغيرهم.

وفي الرابع من نيسان/ أبريل 2002 أصدرت محكمة الجنايات الثانية في دمشق حكماً بالسجن مع النفاذ خمسة أعوام على النائب المستقل “بجناية الاعتداء الذي يستهدف تغيير الدستور بطرق غير شرعية”، وذلك في إشارة إلى برنامج الحزب الذي كان سيف قد أعلنه في كتيب بعنوان”مبادئ أولية للحوار” حيث دعا إلى تغيير بعض مبادئ الدستور السوري وخصوصاً المادة الثامنة التي تقول: “إنّ حزب البعث هو حزب قائد للدولة والمجتمع”.

سيف الذي حول محاكمته إلى منبر للدفاع عن آرائه السياسية اعتبر حكم المحكمة وساماً على صدره إلا أنه فند هذا الحكم قائلاً بأنه “سجين عقود الخليوي وليس سجين الاعتداء على الدستور”. فقد كان النائب المعتقل قد أصدر قبيل اعتقاله بشهر كتيباً من (96) صفحة (من القطع الصغير) بعنوان “صفقة عقود الخليوي” بين فيه أنّ هذا العقد يضيع على الدولة السورية 400 مليار ليرة سورية (حوالي ثمانية مليارات دولار امريكي)، وأنّ الشركتين المتعاقدتين اللتين تعود ملكيتهما لشخص واحد (أحد أقارب الرئيس السوري) تحققان أرباحاً احتكارية وغير عادلة تصل إلى 300 مليار ليرة سورية، وهو ما يعادل “كتلة الرواتب والأجور والتعويضات لجميع العاملين في وزارات العدل والتعليم العالي والتربية والصحة والشؤون الاجتماعية والعمل، الذين يعيلون ما يقارب مليون مواطن سوري، على مدى خمسة عشر عاماً”.

وبالانقضاض على “العشرة الأفاضل” ومنهم سيف تلقت حركة المجتمع المدني السورية ضربة قوية وتراجع ربيع دمشق إلى الحد الذي أعلن الكثيرون فيه موته. واليوم، وحين تمنح مدينة “فايمار” الألمانية جائزتها السنوية لحقوق الإنسان، إلى رياض سيف تكون قد أعادت الاعتبار إلى ربيع دمشق عبر الاحتفاء بأبرز رموزه. فهذه الجائزة الرمزية، التي تأسست عام 1995 ومنحت إلى شخصيات عالمية بارزة ناضلت في مجال حقوق الإنسان، تذكر بهذه الشخصية الصناعية البارزة، التي رفعت لواء حقوق الإنسان والديمقراطية في بلد تحكمه قوانين الطوارئ منذ أربعة عقود.

بقلم أحمد حسو